عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

273

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

في جنته أو خوفا من ناره ، فقد أشرك به ، ولكن يعبده لكونه أهلا لأن يعبد ولو لم يخلق جنة ولا نارا ، تبارك وتعالى ؛ وكذلك حبّ المنزلة عند الخلق ، وخوف الخلق ، واعتقاد بنفعهم وضرّهم ، والرجوع في الشدائد إليهم ، وغير ذلك مما يطول فيه الكلام ؛ وقد تكون حظوظ النفس المذكورة مع كونها مباحة مندوبا إليها في ظاهر الشرع إذا استعملها العارفون بغير نية صالحة ، نزلوا عن مقامهم العالي بسببها ، كما روينا عن الشيخ أبى الغيث رضي اللّه عنه أنه رآه بعض الفقراء في المنام فوق جبل عال ثم رآه بعد ذلك أسفل الجبل ، فسأله عن ذلك ، فقال له الشيخ اصبر حتى ترى رؤيا ثالثة ، وتعال أعبر لك الجميع ، فمكث سنة ثم رأى الشيخ برأس الجبل في مكانه الأول ، فأخبر الشيخ بذلك ، فقال الشيخ نعم كان لي منزلة عند اللّه تعالى ومقام ، فدنوت ذات ليلة إلى أم الفقراء ، يعنى زوجته ، فقبلتها قبلة بشهوة نفس لم يكن للّه تعالى فيها نية منى ، فنزلت عن ذلك المقام كما رأيت ، ثم لم أزل أكد وأجتهد سنة حتى رجعت إلى مقامي كما رأيت رضي اللّه عنه وعن سائر الأولياء ، ونفعنا بهم ، وإنما قال صلّى اللّه عليه وسلم : « ومن آمن باللّه أمن من كل شئ » يعنى من آمن باللّه الإيمان الكامل ، لأن من حصل له الإيمان الكامل حصل له التوكل الكامل ، واستولى على قلبه خوف اللّه تعالى وهيبته وجلاله وعظمته وكبرياؤه وقدرته وقهره وسطوته ، فلم ير في الوجود معطيا ولا مانعا ولا ضارا ولا نافعا ولا خافضا ولا رافعا ولا مفرقا ولا جامعا إلا اللّه الواحد الرب الماجد ، ذا الأسماء الحسنى والصفات العلى سبحانه وتعالى ، فلم يخف سواه ولم يرج إلا إياه ، إذ كل الوجود في قبضته ، لا يتحرّك متحرّك إلا بإرادته ، وكلّ خير وشرّ ونفع وضرر بقضاء وقدر ؛ فالحركات والسكنات والإرادات والخطرات من جميع المخلوقات في جميع الأمكنة والأوقات بقضاء رب الأرض والسماوات ، علم ذلك علماء الظاهر بقواطع الأدلة المعقولات والمنقولات ، وعلمه علماء الباطن بقواطع الأدلة اليقينية الحاصلة بالمكاشفات والمشاهدات ، فلما شاهدوا الكل منه لم يخافوا سواه ، ولم يرجوا إلا إياه ، وإنما قال صلّى اللّه عليه وسلم : « من أسلم للّه لم يعصه ، وإن عصاه اعتذر إليه ، وإن اعتذر إليه قبل عذره » لأن من أسلم إسلاما صحيحا حقيقيا فقد استسلم للّه وسلم نفسه له وانقاد لطاعته فلا يعصيه ، لأن العصيان ينافي الانقياد للطاعة والإذعان ، فإن